
هل ثمة ما يميز مدينة معان لتكون الأعلى بين محافظات المملكة في نسبة الانتحار؟ تشير بيانات إدارة المعلومات الجنائية في الأمن العام الى أن محافظة معان هي الأعلى بين المحافظات مقارنة بعدد السكان.
وبحسب دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية بعنوان “معان أزمة مفتوحة”، وجد الكثير من المؤشرات التي أدت الى ازدياد الضغوطات النفسية، والعزلة لدى الأفراد إضافة لخسارة وظائفهم مع الظروف الاقتصادية الصعبة، وهي أحد الأسباب التي قد تؤدي إلى حدوث اضطرابات نفسية لدى الأفراد بشكل العام.
تبين الخريطة أن محافظة معان هي الأعلى بنسبة الانتحار التام 31.30% من محاولات الانتحار مقارنة بباقي المحافظات. ويعرف الأطباء الشرعيون الانتحار بأنه” فعل إنساني موجه الى الذات لإنهائها” وذلك ضمن مراحل منها التفكير بالانتحار والتخطيط له أو محاولة قتل النفس أو تنفيذ الفعل كاملاً وحصول الموت وهو ما يسمى بالانتحار التام.
وعلى الصعيد الاجتماعي تظهر الدراسة أن للتركيبة العائلية والعشائرية في معان وضعا فريدا يمكن أن يفسر جانب من ردود الفعل الجمعية، وان النظر الى مدينة معان كمشكلة أمنية مجردة لم يساهم في إيجاد حلول جذرية تخفف من حدة الأحداث.
وبينت الدراسة أن معان لا تزال تحظى بالاهتمام الرسمي، إلا أن تجارب فاشلة كتجربة مصنع الزجاج قد ألحقت الضرر بثقة الأهالي بالحكومة التي تسعى لتحسين الأوضاع الاقتصادية، وبشكل عام يصعب فصل معان عن السياق الوطني إذ تبقى التنمية الاقتصادية والسياسية مطلب عام ودون إحداث تلك التنمية يبقى الوضع مرشح ليشهد أحداثا قد تأخذ أشكالا متعددة.
ويفسر الكاتب إميل ديركهايم عالم الاجتماع في كتابه” الانتحار” أن أحد أنواع الانتحار هو (الاعتراض) على البقاء (مقياس للغضب)، وعدم الشعور بالانتماء مجتمعياً، ووضعها الكاتب تحت أحد أسباب الانتحار “المجتمعية” وبيّن أن بعض الأفراد يقدمون على الانتحار لأجل الآخرين فداءً للمجموعة وجزءاً أخر يقوم بذلك لأجل الانسحاب من المجموعة، ويقسّم أنواع الانتحار بحسب ردات فعل الفرد تجاه المجتمع أكثر منها كردة فعل للتعامل مع المعاناة.
فهل تعكس تفسيرات ديركهايم حالات الانتحار في معان؟، وهل ما يدفع بعض سكّان معان للإقدام على الانتحار هو احتجاج عام وليس بدافع فردي فقط؟
تشكّل عمّان حصة الأسد من كافة أعداد حالات الانتحار في المملكة، وتوضح الخريطة أنها اعلى بنسبة 41% من باقي المحافظات ومن خلال الحديث مع اختصاصي الطب النفسي د. ليث العبادي بيّن أن أحد أسباب ذلك قد يكمن في أن جزءاً من الثقافة العمّانية مندمج بالثقافة الغربية بشكل أكبر من باقي المحافظات، كما أن تسليط الضوء على الانتحار في الإعلام هو أحد العوامل التي تحدث ارتفاعاً في الأرقام.
وبرأي العبادي قد يكون للثقافة المجتمعية دور، فالثقافة الدينية والتركيبة المُجتمعيّة والعائلية في محافظات المملكة تختلف عنها في العاصمة، مما يُشعر الأفراد القاطنين في عمان بالوحدة.
وأضاف العبادي أن الضغوطات النفسية في عمان أعلى نتيجةً لارتفاع تكلفة العيش فيها إذا ما قورنت بباقي المحافظات، مما يزيد الضغوط على الأفراد وقد يدفعهم للانتحار.
وذكر مستشار الطب الشرعي الدكتور هاني جهشان أن حوادث الانتحار تُشكّل عاملاً من العوامل التي تمس الحق في الحياة والسلامة الجسدية، وأن الانتحار هو مشكلة صحية تأتى نتيجة لأمراض عديدة منها الاكتئاب، القلق، واضطرابات التواصل مع الآخرين، ومشاكل نفسية ناتجة عن تجارب في مراحل مبكرة من مراحل الطفولة كالتعرض للعنف الجسدي، العزلة الاجتماعية أو التوجه الجنسي عند بعض الأشخاص “الشذوذ الجنسي”، وهذا يتطلب تقديم العلاج في مراحله المبكرة، ووجود مراكز وقائية تحمي البعض من الوقوع ضحايا الانتحار.
ومن الواضح أن الأرقام الرسمية تشير إلى تزايد في أعداد الانتحار لكل 100.000 نسمة من السكان على مدار عشر سنوات خاصة مع آثار جائحة كورونا النفسية والاقتصادية و بلغت نسبة التغير 45.68% في عام 2022 مقارنة ب 2019
وقد ذكرت اختصاصية الطب الشرعي ومديرة مديرية الاختصاصات الطبية في وزارة الصحة إسراء الطوالبة في لقاء لها مع قناة المملكة ضمن برنامج جلسة علنية أن عدد حالات الانتحار في الأردن يفوق المعلن عنه، وأن الأردن من الدول التي تعتمد أرقاما “مظلمة ومغيبة” بما يخص الانتحار.
وأضافت الطوالبة أن علاج حالات الانتحار لا يدخل ضمن التأمين الصحي، وعانت جميع المستشفيات بأنواعها في ظل الجائحة من الإغلاقات بسبب الحظر، مما جعل التواصل أصعب مع المرضى، وبالتالي فقدانهم لفرصة العلاج والرعاية الصحيّة.
وقد يصعب معالجة ازدياد هذه الأرقام دون معالجة شاملة لمنظومة الأسباب التي أدت لها، والتي تحتاج لفترات طويلة وتظافر جهود كبيرة من كافة القطاعات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة المعنيّة.
وقد اقر مجلس النواب في جلسته الاثنين 25/4/2022 عددا من التعديلات على مشروع القانون المعدل لقانون العقوبات، عقوبة على كل من يحاول الانتحار في مكان عام.
وصوت النواب لصالح: “يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من شرع في الانتحار في مكان عام وتشدد العقوبة إلى ضعفها إذا تم ذلك باتفاق جماعي”. بحسب وكالة بترا.
ويعلق المحامي الأستاذ أسامة الشكعة قائلا إن المشرع يريد الحد من ظاهره الانتحار، ولكن المشرع أغفل الأسباب والعوامل النفسية التي أدت اليه والأجدى إحالة الأشخاص الذين يشرعون بالانتحار الى الخضوع للعلاج النفسي للوقوف على الأسباب والدوافع وليس الاكتفاء بالعقوبة التي ربما تزيد الطين بله.
ويتابع الشكعة انه يجب أن تكون هناك أسباب موجبة حقيقية وواضحة لهذا التعديل لكي نستطيع الوقوف على أسباب وعناصر هذا التعديل بشكل علمي وصحيح فالمشرع جرم المحاولة ولم يجرم جريمة الانتحار في الأصل، ويجب أيضا استشارة الخبراء النفسيين والشرعيين في هذا المجال.
ويضيف الشكعة أن القانون لم يبين بشكل مفصل ما يسمى بالانتحار الجماعي وذلك يعتبر قصوراً وغموضاً في القانون ويفتح المجال للتأويل.
كما لاقى القرار الأخير انتقادات واسعة من نشطاء وناشطات حقوق الإنسان، إلا أن مثل هذا القرار وتبعاته قد يلقي الضوء اللازم على “ظاهرة الأعداد المتزايدة للانتحار”.