
من الملفت للانتباه أن الفئة العمرية 18-27 كانت لها الحصة الأكبر في أعداد المنتحرين وقد يعود ذلك كما يقول الدكتور خليل الزيود الى أن هذه الفئة العمرية تشهد تقلبات شديدة وتحولات مستقبلية في حياة الشخص، فهناك مرحلة الثانوية العامة وما يرافقها في بلدنا من حالات توتر شديدة وضغط من الأهالي والمجتمع على الطلبة بالإضافة الى أهمية هذا العام في تحديد مستقبل الطلبة كل ذلك يخلق جواً مشحوناً حول طلبتنا مما دفع الكثيرين لمحاولة الانتحار ونجاح بعضها.
ويبين الرسم البياني أن نسبة هذه الفئة العمرية تمثل 35% مقارنة بباقي الفئات العمرية الموزعة على المحافظات في الفترة ما بين 2010 و2019.
وفي هذه الفئة العمرية “18-27” يتخرج طلبة الجامعات أيضا ليجدوا أنفسهم منضمين لجيش من العاطلين عن العمل وما يحمله ذلك من فراغ كبير قد يدفعهم الى الانتحار في بعض الأحيان، حيث وصلت نسبة البطالة الى 23.3% في الربع الرابع من عام 2021 بحسب دائرة الإحصاءات العامة.
غياب الاهل
تقول غادة أنها كانت تعتني بأخيها الصغير وابن عمتها (المنفصلة عن زوجها) لفترات طويلة وهي نفسها طفلة بينما كان والداها مشغولين بين مواعيد الأطباء والمستشفيات لعلاج أختيها، الأولى كانت قد تعرضت الى حادث حريق مما أثر على يديها واستلزم العديد من العمليات، والثانية كانت تعاني من الم في المفاصل والعظام وتم علاجها على فترات بشكل خاطئ حيث اكتشف فيما بعد أنها كانت تعاني من السرطان الهرموني الذي سبب لها ذلك العناء، ثم أصيبت والدتها بالسرطان. وكان قدوم اخوها من السفر هو الحد الفاصل الذي لم تعد تحتمل معه المزيد من الضغوطات فاتخذت قراراها أول مرة.
تم إسعافها الى المستشفى وبشكل سري قدم لها العلاج. وتتابع أن من أصعب المراحل التي مرت فيها هي عدم تقبل والدتها للجريمة التي ارتكبت بحقها من قبل اخوها، وبقائها على الحياد.
أنهت المرحلة الجامعية في تخصص الصيدلة وتزوجت غادة وأنجبت ابنة وتحدثنا أن حياتها الزوجية انتهت بالاتفاق على الطلاق، وظلت على علاقة جيدة بطليقها الذي وصفته بالأب الرائع.
تتابع غادة أنها قررت أن تتزوج مرة أخرى وأنجبت صبيا وبعد انتهاء فترة حجر كرونا تغيرت حياتها تماما، واصبح زوجها مدمنا على المخدرات crystal meth وأصبح عنيفا جداً ويعنفها جسديا باستمرار وقد كسر ذراعها واضلعا وأصاب وجهها بالكدمات مرات عديدة، وقام بالتصرف بحسابها البنكي و سيارتها. وهنا عمدت الى المحاولة الثانية منذ بضعة أشهر. وتم إنقاذها أيضا بسرية، ولم تحصل على العلاج المناسب لارتفاع كلفته عليها في المرة الثانية وخاصة أنها طلبت الطلاق ولديها مسؤولية أطفالها. أما المرة الأولى فكانت المحافظة على السرية هي أحد أسباب التأخر في العلاج.
اليوم تعيش غادة وأطفالها في بيت والداها وتحاول أن ترى أن تربية أطفالها وأنشائهم من أولوياتها وتحاول البحث عن عمل وإعادة ترتيب حياتها.
نشاهد على الخريطة توزيعات المراكز والمستشفيات التي تعنى برعاية ومعالجة الصحة النفسية في مختلف المحافظات، وكانت المحافظات مادبا، واربد، والمفرق، والزرقاء، والبلقاء، والكرك بدون مراكز ويوجد فيها فقط مستشفيات. أما المحافظات عجلون، والطفيلة، والعقبة فكانت تحوي مراكز صحية فقط.
هناك العديد من الأسباب تمنع الذهاب للعيادة منها الجهل وعدم المعرفة أن هناك عيادات متخصصة للعلاج، وإذا كان هناك معرفة يبقى ارتفاع سعر الكشفيات والعلاج تقف عائق أمام الناس و أيضاً عدم خضوع العلاجات للتامين الصحي.
وأضاف الزيود أن الضغوطات التي تعرض لها الشباب، منها التغيرات الهرمونية والتنمر الموجود في المدارس العلاقات العاطفية التي تؤثر وبشكل كبير على الفتيات، الخلافات الأسرية وأيضاً جائحة كورونا في السنتين الأخيرتين.
الإدمان له علاقة كبيرة ومباشرة بالانتحار ومحاولات الانتحار، وذلك بسبب تبعات الإدمان أو عدم وجود المبالغ المالية التي من خلالها يقوم بشراء مادة المخدرات.
أكد الزيود أهمية علاقة الأهل بالأطفال والسماع لهم بشكل دوري حتى إذا كان هناك أي مشكله يتم حلها، المدرسة أيضاً لها علاقة مباشرة من خلال تصرفات الشاب أو الفتاة وحتى أيضاً من خلال رسوماتهم في حصص الفن وأيضاّ إذا كان هناك تغيرا تطرأ غلى شخصية الفرد وأهمها العنف والعزلة.
الكتمان
أما ليلى فتروي تجربتها لتزيد من الوعي عما تعرضت له ما إيذاء جنسي وهي صغيرة وان محاولتها الانتحار جاء بسبب ذلك موضحتا أن التشخيص والمعالجة قد اخذ سنوات وان التوعية لها أثر مهم ولا تعيبها فهي ضحية.
روت لنا تجربتها بلغة مختلطة فقد تربت وتعلمت في كندا، تربية عربية صحيحة الأمر الذي ساهم في زرع الخوف في قلبها وهي طفلة فخافت الإفصاح عما حدث معها في احدى الزيارات الصيفية الى عمان.
قلة الثقة
“كنا نقطن في دبي وقسوة الأهل وعدم تفهمهم وانشغالهم هو ما جعلني أبحث عن الاهتمام في مكان أخر، فتعرفت في سن 14 عاما على شاب عمره 25 عاما من جنسية غير جنسيتي”، هكذا بدأت رشا الحديث معنا.
وتابعت قائلة إنها كانت تتحدث معه على الهاتف، وثم في ظل غياب أهلها أصبح يزورها في المنزل الذي يتواجد فيه فقط شقيقاتها الأصغر منها سنا وأكبرهم كانت تبلغ حينذاك 14 عاما أما إخوتها وأخواتها الأكبر سنا كانوا قد سافروا للدراسة.
وفي عطلة الصيف، تسافر العائلة لرؤية الأهل في عمان وتكمل روان قائلة إن كل شيء كان على ما يرام وكانت تبحث عن وسيلة لإخبار أهلها أن هناك من هو مؤهل ويريد الارتباط بها، وحدث أن أتت فاتورة الهاتف تحمل مبلغا ضخماً الأمر الذي جعل من في المنزل تحت المسالة، فما كان من شقيقتها أن اعترفت لوالدتها بزيارة رجل لهم في المنزل تعرفه أختها.
وتوضح هنا روان أنها أخبرت أهلها أن الزيارات كانت من قبل شاب تعرفت عليه وهو مؤهل ويمتلك برأيها المواصفات التي تجعل منه عريساً مناسباً وان تلك الزيارات لم يحدث فيها شيء غير الحديث. ومع ذلك خضعت الى أسئلة وتحقيق قاسي انتهى برفض الشاب ومن ثم أخذها من قبل والدتها الى طبيبة نسائية في اليوم التالي.
وتكمل روان قائلة إنها بقيت في غرفة الانتظار في العيادة بينما تحدثت والدتها مع الطبيبة على انفراد الى أن استدعتها الأخيرة وقامت بفحصها دون أن تخبرها ماذا تفعل أو تهياها نفسيا لألية الفحص الذي كانت نتيجته أنها عذراء مما هدأ من روع والدتها التي لم تصدق روايتها. ولكن ذلك الفحص جعلها تشعر بالخزي، والمهانة، والغضب، والظلم.
وتقول روان انه ما كان منها إلا أن تناولت علبة بنادول كاملة بمجرد عودتها الى المنزل وذهبت الى النوم عازمة ألا تستيقظ أبدا فلم تعد تطيق ما تمر به وتريد أن تنتهي من كل شيء فحسب، الى أنها بدأت تستيقظ المرة بعد الأخرى وتتقيأ بشدة الى أن أصبحت لا تقوى على إيقافه مما استرعى انتباه والدتها والتي قامت وعلى الفور قامت بنقلها الى المستشفى التخصصي، الذي قام فريقه الطبي بعمل غسيل لمعدتها على الفور.
وعرضت روان في اليوم التالي على القاضي الذي استجوبها عن حادثة الانتحار وسألها عن الأسباب والدوافع وفيما إذا كان أحد والديها قد ما دفعها لارتكاب المحاولة وتشير هنا روان أن إجاباتها كانت بالنفي لما سبق فهي خجلة من تعريض أهلها لهذا الموقف ولا تريد إحراجهم، وفي نهاية الجلسة تذكر روان أن القاضي قال لها أن من يقترف تلك الجريمة يذهب الى النار وانه لا يوجد شيئا أو أحد “يستأهل” أن تفعلي بنفسك ذلك.
وبالفعل رضخ الأهل لإرادتها ورغم كل التحذيرات من اختلاف البيئة والنشأة والجنسية وما قد يجلبه ذلك من متاعب وعن صغر سنها وركضها نحو تحمل مسؤولية وإنشاء عائلة.
أما عن محاولتها الثانية بعد زواجها وإنجابها لطفلها الأول، كانت لجذب انتباه زوجها وإجباره عن العدول عن الشرب والسهر ومشاهدة الأفلام الإباحية.. ولكنها بعد أن تناولت أدوية مختلفة خافت وذهبت مسرعة الى المستشفى متذكرة آلام المرة الأولى.
اليوم وفي عمر 41 عام وبعد أن انفصلت عن زوجها تخبرنا روان أنه قد فاتها الكثير من المناسبات العائلية والأحداث مما يشعرها ببعض الغربة وتقول لنا أنه في الحياة أشياء جميلة وأنها واعية تماما لما فعلته وماذا كانت دوافعها ولا تذكر أمام أبنائها أي شيء بخصوص محاولاتها للانتحار فهي تخشى أن يقوم أحدهم بتقليدها مع أنها مختلفة تماما عن أهلها وتعتبر نفسها صديقة لأبنائها وحريصة كل الحرص أن يعو هم ذلك، حتى لا يتوانوا أو يخافوا من الحديث معها في أي شأن.
قال الخبير علم النفس السريري عمار سليمان إن الاضطرابات النفسية ليست لعبة وخصوصاً الاكتئاب، وخصوصاً الاكتئاب الحاد أو الجسيم والأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب أكثر عرضة للانتحار.
من أهم أعراض الاكتئاب وخاصة الحاد عدم الاستمتاع في الحياة، زيادة الشهية أو ضعفها، زيادة النوم أو قلته، عدم راحة وقلة نشاط، شعور بالذنب دون سبب، أفكار انتحارية وإذا استمرت هذه الأعراض لأسبوعين يجب مراجعة طبيب نفسي قبل مختص علاجي.
وأضاف عمار سليمان أن الاكتئاب هو ثاني سبب للإعاقة في العالم ونسبة انتشاره تقريباً ١٦ ٪ مما يعني من بين كل مئة متوقع ١٦ يكون عندهم اكتئاب.
كل ما كان التدخل العلاجي أبكر كلما كان أفضل وللأسف الأغلبية تتكلم بعد سنتين من المعاناة.
ولذلك يعتقد أن مجاهدة الاضطرابات هي من أعظم سبل الوصول للجنة؛ لأن الأمر صدقاً صعب، وأي لوم ديني للشخص المكتئب سيزيد تفتيت نفسه، الدعم الاجتماعي، والاستناد على الدين سيساعد في العلاج بقوة ولإزالة وصمة العيب عن الذي يمر بالاضطرابات من أعظم سبل الصلاح والإحسان.
ويضيف الخبير عمار سليمان أن المتحرش هو شخص مريض أخلاقيا وتجب محاسبته وعلى الناس ألا تربط التحرش بلبس الفتاة، وان فضح المتحرش وتقديمه للعدالة يوقفه عن الاستمرار في جريمته.
كما أن تقديم الدعم النفسي لضحايا التحرش الجنسي ضروري لخلق حالة من الثقة لديهم تمنع استغلالهم في المستقبل، ويشجع المؤسسات العامة والخاصة على منح دورات إرشادية حول موضوع التحرش الجنسي لتقنينها وضبطها في المجتمع.
